عبد الوهاب الشعراني
287
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
السبب فافهم ، ففي التسمية تقديس الطعام وتزكيته وتنميته والحضور مع اللّه تعالى بأسمائه الحسنى لا سيما والأكل محل الغفلة عن اللّه تعالى لقوة الداعية إليه ، ومن هنا كرهت الصلاة بحضرة طعام أو شراب تتوق إليه نفس المصلي ، ونهى عن الأكل والشرب في الصلاة ولو نفلا ، لأن العبد لا يقدر أن يردّ عن نفسه لذة الأكل والشرب فتزاحمه تلك اللذة في حال مناجاته ، وتحول بينه وبين لذة مناجاة الحق تعالى التي هي روح الصلاة . وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه يقول : لا يكمل الفقير حتى يحضر مع اللّه تعالى في حال الأكل والشرب وفي حال الجماع كما يحضر في حال الصلاة ، ويجمع بين لذة الأكل ولذة المناجاة في آن واحد لا تحجبه إحدى اللذتين عن الأخرى ، فيشكر اللّه تعالى من وجهين في آن واحد . وسمعت أخي أفضل الدين رحمه اللّه يقول : لا يكمل الفقير عندنا في الطريق إلا إن كان يسمع ملك الإلهام يقول يا فلان كل أو اشرب أو جامع أو قم أو اجلس ، أو نم أو مد رجلك أو اخزن قوتك أو تصدق بما عندك ونحو ذلك ، فمن لم يسمع ملك الإلهام فهو بعيد عن الحضرات الإلهية . وسمعته مرة أخرى يقول : ما أكلت حتى ألهمت في نفسي يا فلان كل ، ولا فرغت من الأكل حتى ألهمت يا فلان يكفي . وسمعته يقول : كان سيدي عبد القادر الجيلي رضي اللّه عنه يقول : ما أكلت طعاما قط حتى قيل لي بحقنا عليك كل ولا نمت حتى قيل لي بحقنا عليك نم وهكذا ا ه . وسمعته مرة أخرى يقول : ينبغي للفقير أن يأكل بنعت الحضور مع اللّه ، فيرى أنه يأكل والحق ناظر إليه بعينه التي لا تنام يرى شره نفسه أو قناعتها ، فمن أدمن ذلك رزقه اللّه القناعة وخلع عليه من الآداب ما لم يكن عنده . وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه يقول : سموا اللّه تعالى على كل حركة وسكون يبارك لكم فيها ، وما شرعت التكاليف كلها إلا لحضور العبد فيها مع اللّه . وكان ولدي عبد الرحمن وهو ابن ثلاث سنين يقول كلما يأكل : بسم اللّه الشافي ، من غير أن أعلمه ذلك وهي مناسبة للمقام ، ولا يخفى أن الخلق ولو علت رتبتهم في المقامات يحتاجون إلى التسمية قياما بشعائر السنة خلاف ما عليه بعض أهل الشطح من قولهم : إنما يسمي اللّه على طعامه من كان يرى ملكا مع اللّه تعالى ، أما من يرى الملك في الطعام للّه تعالى وأنه مقدمه إليه فلا يحتاج إلى تسميته ، لأن طعام الحق تعالى إذا قدمه لعبده بركة في نفسه لا يقبل الزيادة في النمو ا ه . والحق أن كل طعام قدم للعبد له وجهان ، وجه إلى نسبته إلى العبد وكسبه ، ووجه لي نسبته إلى الحق تعالى وخلقه ، فوجه نسبة الخلق يقبل الزيادة ، ووجه نسبة ذلك إلى لحق لا يقبل الزيادة .